عثمان بن سعيد الدارمي
100
الرد على الجهمية
وملائكة إلى تخوم الأرض ، للأمر من أموره ولرحمته ولعذابه ولما يشاء من أموره . فلو أنزل أحد هؤلاء الأربعة بالمشرق والثاني بالمغرب ، والثالث أنزله من السماء إلى تخوم الأرض للأمر من أموره ، ثم عرجوا منها ، والتقوا جميعا في ملتقى من الأرض مع رابع ، نزل من ملتقاهم من السماء فسئلوا جميعا : من أين جاءوا ، فقالوا جميعا : جئنا من عند اللّه ، لكان المعنى فيه صحيحا على مذهبنا لا على مذهبكم ، لأن كلّا بعثهم اللّه تعالى من السماء ، وكلّا نزلوا من عنده في مواطن مختلفة . ولو نزل مائة ألف ملك في مائة ألف مكان من الأرض ، لجاءوا من عند اللّه . وإنما قيل : « من عند اللّه » لأن اللّه تبارك وتعالى فوق السماء ، والملائكة في السماوات ، وبعضهم حافّون بعرشه ، فهم أقرب إلى عرش الرحمن من أهل الأرض . ومما يبين ذلك قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [ الأعراف : 206 ] ، ففي هذه الآية بيان لتحقيق ما ادعينا للحد ، فإنه فوق العرش بائن من خلقه ، ولإبطال دعوى الذين ادّعوا أن اللّه في كل مكان ، لأنه لو كان في كل مكان ما كان لخصوص الملائكة أنهم عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ معنى ، بل كانت الملائكة والجن والإنس وسائر الخلق كلهم عند ربك في دعواهم بمنزلة واحدة ، إذ لو كان في كل مكان إذا « 1 » لذهب معنى قوله : لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ لأنّ أكثر أهل الأرض من الجن والإنس من يستكبر عن عبادته ولا يسجد له ، ولكن خصّ اللّه بهذه الصفة الملائكة الذين هم عنده في السماوات ، فأوطئوا بهذه الآية ، وأقرعوا بها رؤوسهم عند دعواهم : « أنّ اللّه في
--> ( 1 ) في المطبوعة : « أن لو كان في كل مكان وإذا » .